سيد محمد طنطاوي

24

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ويدل على صحة هذا التأويل ، أن الضمير في قوله * ( لا يُؤْمِنُونَ بِه ) * عائد على القرآن بالإجماع ، فوجب أن يكون الضمير في * ( نَسْلُكُه ) * عائدا إليه - أيضا - لأنهما ضميران متعاقبان فيجب عودهما إلى شيء واحد . . . » « 1 » . وقوله - سبحانه - * ( وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ ) * تهديد لهؤلاء المكذبين من كفار مكة ومن سار على شاكلتهم ، وتكملة للتسلية لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم . أي : وقد مضت سنة اللَّه التي لا تتخلف وطريقته المألوفة بأن ينزل عذابه بالمجرمين ، كما أنزله بالأمم الماضية ، بسبب تكذيبها لرسلها ، واستهزائها بهم فلا تحزن - أيها الرسول الكريم - لما أصابك من سفهاء قومك فسننصرك عليهم . وأضاف - سبحانه - السنة إلى الأولين ، باعتبار تعلقها بهم ، وإنما هي سنة اللَّه فيهم لأنها المقصود هنا ، والإضافة لأدنى ملابسة . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الكريمة برسم صورة عجيبة لعناد هؤلاء المكذبين ولجحودهم للحق بعد ما تبين فقال : * ( ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيه يَعْرُجُونَ ، لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ) * . وقوله - سبحانه - * ( ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ . . ) * معطوف على قوله * ( لا يُؤْمِنُونَ بِه . . ) * لإبطال معاذيرهم ، ولبيان أن سبب عدم إيمانهم هو الجحود والعناد ، وليس نقصان الدليل والبرهان على صحة ما جاء به النبي صلى اللَّه عليه وسلم . قال الإمام الرازي . وقوله - تعالى - * ( فَظَلُّوا فِيه يَعْرُجُونَ ) * يقال : ظل فلان نهاره يفعل كذا ، إذا فعله بالنهار ، ولا تقول العرب ظل يظل إلا لكل عمل بالنهار ، كما لا يقولون بات يبيت إلا بالليل . والمصدر الظلول « 2 » . ويعرجون : من العروج ، وهو الذهاب في صعود ، وفعله من باب دخل ، يقال عرج فلان إلى الجبل يعرج إذا صعد ، ومنه المعراج والمعارج أي المصاعد . وقوله * ( سُكِّرَتْ ) * من السّكر - بفتح السين المشددة وسكون الكاف - بمعنى السد والحبس والمنع ، يقال سكرت الباب أسكره سكرا ، إذا سددته ، والتشديد في * ( سُكِّرَتْ ) * للمبالغة ، وهو قراءة الجمهور . وقرأ ابن كثير * ( سُكِّرَتْ ) * ، بكسر الكاف بدون تشديد .

--> ( 1 ) راجع تفسير الفخر الرازي ج 9 ص 63 طبعة عبد الرحمن محمد . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 19 ص 166 .